المنجي بوسنينة

179

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

والأمر اشتبه على المدعي ، فأخذ محمدا بدل أحمد ، وأنا يا محمد ليس بيني وبين هذا الرجل معاملة ، ولا مداينة ، فسأله الشيخ عن أخيه أحمد أين هو الآن ؟ قال : هو في البصرة . ومع طول الأخذ والرد بين الخصمين ، لم يقتنع القاضي ، وكأن لديه هاجسا بان أحمد هذا غير صادق ، لكنه لم يجد مبررا للحكم ، فلا بد من بينة يقطع بها الشك . وبفراسته طلب من المدعي إحضار من يشهد له ، بأن هذا هو أحمد وليس محمدا ما دمت مقتنعا . فذهب المدعي وبقي المدعى عليه عند الشيخ . . فتشاغل الشيخ بأصحاب الدعاوى الآخرين ، كأنه غير عابىء به ، فلما أحسّ منه غفلة قال له : أحمد فالتفت إليه وقال : نعم يا شيخ ، فقال : ما هي العلامة التي تعرفكما بها أمكما وزوجتاكما ، وأنت مع أخيك في مسكن واحد ؟ فأخبره بالفارق . ثم سكت الشيخ وتشاغل عنه مع المتخاصمين عنده مرة أخرى ، حتى أيقن أنه قد غفل مرة ثانية ، فقال له : يا أحمد . فرد قائلا : نعم يا شيخ ، قال : أنت مع محمد في سفينة واحدة ، أو لكل منكما سفينة خاصة ؟ فأجاب : محمد له سفينة وماله الخاص به ، وأنا كذلك ، وإنما شراكتنا في البيت لأجل الوالدة ، ونتوزع مصروف البيت بيننا . وخلق الشيخ حالة ثالثة بسؤاله عن عمل محمد هذه الأيام ، ومتى يرجع ؟ فأجابه بما برهن للقاضي أن هذا أحمد ، وأن المسافر هو محمد ، واتفقت القرائن الثلاث . . . فقال له الشيخ : يا أحمد ، إما أن تعطي التاجر حقه وإلا أودعتك السجن ، فانتبه وقال : أنا محمد وليس بيني وبين الرجل مداينة ولا تعامل . فقال الشيخ : لقد تحقق عندي بقرائن ثلاث ، وباعترافك أنك أحمد ، فاختر لنفسك الوفاء أو السجن ؟ فقال : خدعتني يا شيخ ، أمهلني ، وأنا أجعل كفيلا غارما . وإنما دفعني لذلك عدم قدرتي هذه الأيام على الوفاء . فأمهله وكتب عليه بعد إحضاره للكفيل والتوثق منه ، فلما عاد المدعي إذا القضية قد انتهت بالكفالة . 2 - وفي شقراء عندما كان قاضيا بها اشترى رجل أكياس جراد ، من بدوي فادعى المشتري أنه وجد الجراد ميتا ، وأنكر البائع قائلا : الجراد حي ، ولما تنازعا ولم يقبل كل منهما الصلح والتنازل عن شيء من حقه ، عند ذلك قال الشيخ محمد : تفتح الكياس ، وينثر ما فيها على الأرض ، فما طار منها فهو للمشتري ، وما بقي في الأرض فهو للبائع لأنه ميت ، فوافق المشتري لكن البائع امتنع . فرد القاضي محمد البيع كله ، وأمر البائع بإعادة القيمة للمشتري . وغير هذا من المواقف المشهور بها ذكاء وفراسة . كما كان له مداعبات مع إخوانه للتسلية مع زملاء العمل في القضاء ، وأشعار وكلمات مستملحة يجعلها بمقدار الملح في الطعام . انتابته أمراض عديدة في أخريات حياته ، وكل طبيب يعالجه كان يهديه قصيدة ، تمجيدا وثناء . فالشافعي في مستشفى شقراء ، عندما عالج زوجته أهداه قصيدة ، وبركير طبيب العيون في إسبانيا مدحه عندما عالج عينيه بقصيدة ، أما مرضه الأخير فإنه كان يتجلّد حتى اشتد عليه ، فأدخل المستشفى العسكري بالرياض ، ومكث فيه حتى وافاه الأجل